شحن مجاني للطلبات التي تزيد قيمتها عن £50

تاريخ النصيرية وديانتهم ( العلويون)

اختر نوع الكتاب:
كلمة المترجم "أتينا الى قادش وعمرها ثلاثة عشر قرناً قبل الميلاد، ونغادر قادش اليوم وعمرها يزيد على سبعين قرناً قبل الميلاد." هذه الكلمات سمعتها من عالم الآثار الإنكليزي بيتر بار (Peter Parr) الذي عمل، على مدى الربع الأخير من القرن العشرين، على رأس بعثة تنقيب عن الآثار، في موقع قادش الشهير، قرب مدينة حمص، في وسط سورية... ليست قادش موقعاً استثنائياً في سورية. فكلما كثُرت بعثات التنقيب، ظهرت الى النور مواقع من قرى ومدن، ظلّت مدفونة طول آلاف مؤلّفة من السنين - أضحت المواقع التي عمرها عشرة آلاف عام شيئاً مألوفاً -، وهي تتوزّع على خارطة سورية الطبيعية كلّها، من الجنوب الى حوض الفرات كلّه حتى الشمال فالوسط فالمنطقة الساحلية، على طول الشاطئ الغربي للبحر الأبيض المتوسط... قد يقول قائل أين هذا من كتابنا عن تاريخ ديانات قديمة؟ واقع الحال أنّ الدين لا يقوم بين الجياع. الدين شكل من أشكال الترف. وتكشف لنا المواقع الأثرية عن أناس أذكياءْ ومترفين عاشوا فيها، إذ انتقلوا من مرحلة الصيد والقنص والتقاط الثمار البرّية، الى مرحلة الاستقرار وتدجين القمح والمواشي والحيوانات، والسكنى في بيوت ثابتة. بعد أن اطمأنّ ذلك الإنسان الذكيّ الى مصادر رزقه ووفرتها وثباتها رفع نظره الى فوق، فشرع يتأمّل القبّة السماوية، يرقب ويدقّق، فيميّز بين حفنة من الكواكب وبين المئات والمئات من النجوم. ويُعمِل فيها فكره، فيفسّر ما يقوى على تفسيره، وينسب ما عجز حياله الى قوى وقدرات غيبية... ثم يورّث معارفه وخبراته من حقائق وأوهام وخرافات وأساطير الى أبنائه وحفدته.... هكذا بدأ الدين. هكذا بدأ التديّن والعقائد والعبادات... وتكاثرت على مرّ القرون وتنوّعت بتنوّع الأماكن وتفرّعت وفق توزّع المواقع. وبحكم قوة الأشياء، اختار الناس من بينهم رئيساً لهم. دعاهم فلبوا دعوته. أمرهم فنفّذوا أوامره. ثم طغا فاستعبدهم واستذلّهم... فأطاعوه. ثم نشأت الممالك فالإمبراطوريات، وتواصلت فيما بينها عبر طرق التجارة التي ما لبثت أن أنجبت الحروب... لم يكن المنتصر يفرض قوانينه على البلاد التي غزاها فحسب، بل كان يحمل معه ربّه: يحتلّ هو قصر الملك المهزوم، وينصّب ربّه في المعبد بعد إزاحة الرب الذي كان يتعبّد له أبناء البلد المفتوح. قلّة هم الذين يعرفون، وهم يقفون في ساحة الجامع الأموي بدمشق، أنّ الربّ المعبود داخل جدرانه، قد تغيّر اسمه وهويّته خمس مرات في غضون ألف عام: كان معبداً للإله الآرامي حدد طول الألف الأولى قبل الميلاد، ثم قدم إليه الرب الإغريقي زيوس، مع قدوم الاسكندر المكدوني في القرن الرابع ق.م. وجاء الإله جوبتير مع الاحتلال الروماني في القرن الأول ق.م. ودخل إليه الإنجيل والسيد المسيح والسيدة العذراء في القرن الرابع الميلادي، وأخيراً جاء الله والقرآن والإسلام في القرن السابع للاستقرار فيه حتى يومنا هذا... هذا الشكل من "الاستلام والتسليم" قلّما كان يتمّ سلمياً، بل غالباً ما يقع وسط سيول من الدماء. فيفرّ المهزومون ويلوذون بالأماكن البعيدة، أي الجبال العالية والمنيعة بأماكنها الفقيرة في أغلب الأحيان. وعلى مرّ الزمان يصير هؤلاء أقلّيّة، فتحاك حولهم أقاصيص وخرافات وأكاذيب للانتقاص من قيمتهم، ولكي لا يأسف عليهم أحد، حين يرد ذكرهم. والتاريخ على كل حال يكتبه الأقوياء: بعد أن صارت المسيحية الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية في مطلع القرن الرابع، قرّر بطريرك أفاميا، وهي أكبر مدينة آنذاك في سورية وفي الإمبراطورية كلّها، أن يهدم معبد الإله زيوس بيلوس، ولمّا لم يقبل أهل المدينة، مسيحيين ووثنيين، بأن يساعدوه، استعان بالجيش رافعاً شعار: "فلنهدم بيت الشيطان لنبني بيت السيد المسيح". هذا الواقع ينطبق تمام الانطباق على النصيرية في سورية، هؤلاء القوم الذي يحدّثنا عنهم الكاتب: عن أصولهم وتطوّر معتقداتهم وما نُسِج حولهم - بسبب قلة عددهم وضعفهم وفقرهم - من خرافات وأكاذيب على مرّ القرون. وهم الذين غلب عليهم اسم العلويين، بدءاً من منتصف القرن العشرين. ويروقني، بعد الانتهاء من الترجمة، أن أشير الى ما لمست لدى الكاتب من موضوعية وتدقيق وبحث منهجي عن الحقائق، واستبعاد كافة أشكال الخرافات والأقاويل والأكاذيب والمبالغات... هذا وقد وضع الكاتب حواشي واستشهد بنصوص من عدة لغات: الإنكليزية والألمانية واللاتينية واليونانية القديمة. وقد تدبّرت أمرها كلها. لكن يبقى أن أشكر صديقي وابن بلدي المهندس والباحث ملاتيوس جغنون، على ترجمة بعض العبارات والنصوص باليونانية القديمة، التي يجيدها كأنّه أحد تلاميذ أرسطو... عبود كاسوحة

احصل على خصم 10% على طلبك الأول باستخدام الرمز FIRST10

غلاف كتاب

التقييمات

0.0/5
0 Reviews
starstarstarstarstar
starstarstarstar
starstarstar
starstar
star
لا توجد تقييمات بعد