شحن مجاني للطلبات التي تزيد قيمتها عن £50

$4.80$6.00
اختر نوع الكتاب:
«ما لا يُعلم كله لا يُترك جله فإن العلم بالبعض خير من الجهل بالكل» في الآونة الأخيرة لفتت انتباه كثير من الناس مسألة المنشأ الأول لحقوق الأُم. ونحن نعرف ما يجب فهمه تحت هذا التعبير. فحق الأمومة هو القرابة من جهة الأُم كما أن حق الأبوة هو القرابة من جهة الأب. فيما يتعلق بحق الأُمومة يعتمد حصراً خط النسب الأنثوي، وفيما يتعلق بحق الأبوة يعتمد حصراً خط النسب الذكري. والقرابة من جهة الأم هي الأكثر أصالة. ومن الممكن الزعم أنها إحدى المراحل التي مرت بها الحياة الأسرية في كل مكان خلال تطورها. ويحدثنا العديد من الشعوب من أجزاء مختلفة من العالم أنها لم تزل حتى الآن تمارس حق الأُمومة أو أنها كانت تمارسه في السابق، بينما يجد المرء في نظام القرابة الآخر القائم اليوم، في كثير من الأحيان، عادات ومؤسسات لا تنسجم مع هذا النظام، بل تتطابق تماماً مع نظام حق الأُمومة، وهي تعود بالتأكيد إلى زمن كان فيه هذا الحق هو الصيغة السائدة في الحياة الأسرية. إنني أنوي في الصفحات التالية معالجة المسألة المُشار إليها في علاقتها بالشعوب السامية وبصورة خاصة بالعرب القدامى. ومما دعاني إلى كتابة هذا البحث ما وجدته في مقال للمستشرق المعروف روبرتسون سميث: إن تقديس الحيوانات لدى القبائل العربية والتي تحمل أسماء حيوانات مذكورة في العهد القديم . يذكر هذا الكاتب في هذا المقال حقائق مختلفة تشير إلى أن حق الأُمومة كان موجوداً في الأصل عند العرب؛ لكنه لا يفعل ذلك إلَّا بصورة عابرة. ولذلك سيكون على الأرجح مفيداً أن نشرح الحقائق هنا بصورة أكثر تفصيلاً وندرس علاقتها مع بعضها ونقارنها مع ما أفادتنا به آخر الأبحاث عن نظام القرابة هذا. علاوة على ذلك سأغتنم الفرصة للتحدث عن بعض الحقائق الأخرى التي لم يذكرها روبرتسون سميث والتي يمكن أن تساهم في إيجاد حلّ دقيق لمسألتنا. كان مقال روبرتسون سميث يرمي، كما يوحي به العنوان، إلى عرض مسألة تقديس الحيوان لدى الشعوب السامية. وفيما يتعلق بالعرب يحاول الكاتب البرهنة على أنهم كانوا آنذاك يعرفون الطوطمية. وهذه الكلمة جاءت، كما هو معروف، من الهنود الحمر في أمريكا الشمالية. كان لكل قبيلة هناك حيوان يسمى «الطوطم» يعبد كصنم وتسمى القبيلة باسمه ويشتق أفرادها حسبهم وأصلهم منه. فالقبيلة التي تتخذ، على سبيل المثال، القندس (أو كلب الماء) طوطماً لها، تعتبر القندس الروح التي تحميها وتحمل اسمه وتعتبر نفسها أن لها صلة قرابة مع فصيلة الحيوان المذكور بكاملها. وأن يكون لدى العرب كثير من القبائل التي تسمّى باسم حيوان، فهذا أمر معروف. هناك بعض القبائل التي تحمل اسم «الأسد» وهناك قبيلة اسمها «كلب» وأخرى اسمها «ظبيان» (مشتق من ظبي)، وأخرى «أوس» (الذئب) ثم «ثور»، و«عقاب»، و« بنو حمامة» وإلخ... وحسب علم الأنساب العربي كانت هذه الأسماء في الأصل أسماء أشخاص ثم أصبحت فيما بعد، بانتقالها إلى الخلف من الأبناء والأحفاد، أسماء للقبائل. وهكذا نجد أن جميع من ينتسبون إلى قبيلة «كلب» يعيدون أصلهم إلى شخص معيَّن اسمه «كلب» ابن «وبرة» ابن «ثعلبة» الحفيد الثاني لـــ«قضاعة» حفيد «سبع». ولكن فقد أشير مراراً إلى أن سجلات الأنساب العربية لا يمكن إعطاؤها سوى قيمة تاريخية ضئيلة. وبهذا الخصوص يقول، على سبيل المثال، نولدكه: «يجب علينا أن نتخلى أخيراً عن التصور الساذج أن مشجرات الأنساب المصطنعة التي يقدّمها لنا محمد الكلبي وابنه هشام وغيرهما، والتي تتجاوز إطار الصلات الأسرية القريبة للقبائل آنذاك، صحيحة مئة بالمئة. فهل يُصدَّق فعلاً أن، مثلاً، جميع قبائل قيس الكثيرة التي تشغل جزءاً كبيراً من وسط شبه الجزيرة العر¬بية، تنحدر من شخص واحد اسمه قيس كان يعيش في زمن ولادة المسيح؟ إنني أدعي جازماً أن ما من شعب ولا من قبيلة كبيرة تعرف جدها الأول». وهناك تطابق كامل بين هذا الكلام وملاحظة لروبرتسون سميث: «إنه في الأزمنة الأقدم، وهذا الزمن ليس قديماً جداً على أيِّ حال تسمى بأسماء مأخوذة من الجد الأعلى التاريخي». لا بُدَّ إذاً من تفسير حقيقة كون القبائل لدى العرب تحمل أسماء حيوانات بطريقة أخرى. يعتقد كاتبنا أن الأسماء كان لها في الأصل معنى ديني وكان لها صلة بتقديس الحيوانات كما هو الحال عند الطوطمية. وأن يكون العرب القدامى يسمون أنفسهم بأسماء الآلهة التي يقدسونها فهذا أمر لم يكن غير عادي على الإطلاق. ولذلك كانت أسماء الآلهة تطلق كثيراً ليس فقط على الأشخاص وإنما أيضاً على القبائل. وهكذا كان هناك، كنتيجة لعبادة القمر والشمس في أزمنة قبل النبي محمد، قبيلة اسمها «هلال» وأخرى اسمها «بدر» وثالثة اسمها «شمس». وكانت هناك أسماء أخرى للقبائل مشتقة من أسماء الآلهة مثل «غنم» و«نِهم» و«نُهم» و«نُهام». وقياساً على ذلك يجب الافتراض أن الحيوانات التي أخذت القبائل اسمها كانت أيضاً مقدسة في الأصل. وبعضها معروف بصورة مؤكدة. فالحمامة، على سبيل المثال، كانت ربة الكعبة وكذلك الغزالة؛ لا شك إطلاقاً في أن «بني حمامة» و«بني ظبيان» قد سمّوا هكذا نسبة إلى هاتين الإلهتين. فضلاً عن ذلك يطابق اسم الإله الأسدي «يغوث» قبيلة «أسد» والإله النسر «نسر» قبيلة «عقاب». أن يكون هذان الكائنان هما فقط تصورات لصفات إله الشمس، كما يفترض الكثيرون، فهذا أمر يشك فيه روبرتسون سميث. بكلمات قليلة فقد تمكنَّا هنا من عرض المحتوى الرئيس لمقالة روبرتسون سميث. حسب هذا الكاتب كانت القبائل العربية إذاً قبائل طوطمية في الأصل، وهذا يعني أنها كانت تقدس الحيوان أو الشيء الذي تحمل اسمه. والآن تجدر الإشارة إلى أن الطوطمية لها خاصّية متميزة وهي أن الطوطم يتناسل في الخط الأنثوي، أي أن الولد يتبع طوطم الأم. وهذا يعني أن الهنود الحمر يمارسون نظام الحق الأمومي. يحاول روبرتسون سميث البرهنة على أن هذا ينطبق على العرب أيضاً. وبذلك وصلنا إلى النقطة التي نريد بحثها في هذه الدراسة. من المعروف أن حق الأمومة يعود في الأصل إلى عدم التأكد من النسب الأبوي نتيجة لعدم وجود علاقة زوجية ثابتة في المجتمعات البشرية البدئية. علينا أن نتصور، كنقطة انطلاق، حالة لم يكن فيها زواج، أي إن المرأة لم تكن مرتبطة برجل معيَّن، وإنما كانت تخص مرة هذا الرجل ومرة أخرى ذاك الرجل من القبيلة. من هذه الحالة من الاختلاط الجنسي الكامل نشأ شيئاً فشيئاً الزواج الفردي. بعض الباحثين، وعلى رأسهم Mac Lennan، يفترضون أن هذا حدث عن طريق تعدُّد الأزواج، في بادئ الأمر تعدد الأزواج الخشن الذي يكون فيه عدة رجال لا توجد صلة قرابة فيما بينهم يملكون معاً امرأة واحدة، ثم تطورت هذه الحالة فيما بعد إلى أن يكون أقرباء، غالباً أخوة، يملكون مجتمعين المرأة نفسها. على الرغم من أن تعدُّد الأزواج بهاتين الصيغتين كان موجوداً عند كثير من الشعوب، فإنه من المشكوك فيه أن يكون قد شكل في كل مكان مرحلة من مراحل التطور. يعتبر لوبّوك Lubbock وآخرون هذه الحالة ظاهرة استثنائية نشأت في معظمها نتيجة لنقص النساء. وعلينا أن نفترض أن الحق الأمومي قد تشكل في الزمن الذي سبق نشوء الزواج الفردي، أي في زمن تعدُّد الأزواج أو الاختلاط الجنسي. ولذلك يتعيَّن علينا أن نبحث أولاً ما إذا كان الاختلاط الجنسي قد وجد في الأصل عند العرب أيضاً.

احصل على خصم 10% على طلبك الأول باستخدام الرمز FIRST10

غلاف كتاب

التقييمات

0.0/5
0 Reviews
starstarstarstarstar
starstarstarstar
starstarstar
starstar
star
لا توجد تقييمات بعد